يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
47
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] ، و : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا [ القمر : 14 ] ، و : جاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ الفجر : 22 ] ، و : فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [ النحل : 26 ] و : ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] ، و : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ، وغير ذلك ، فمن فهمه اللّه معناها ورزقه علمها فليحمد اللّه على ذلك ، ومن قصر علمه عن معرفتها فليؤمن بها ويعتقد أن لها تأويلا يعلمه العلماء . ولذلك قالوا رضي اللّه عنهم لهذا الصنف من الناس : اقرؤوا هذه الأحاديث كما وردت وآمنوا بها ولا تتكلفوا ما لا علم لكم به ويكفيكم ذلك . وقالوا هذا في الصدر الأول . ثم لما كان بعد ذلك وكثر أهل البدع والأهواء خشوا رضي اللّه عنهم أن يسبق إلى وهم السامع من هذه الألفاظ شيئا ينطق به ملحد في الدين يعتقده على غير وجهه فيقع في شبهة . ففسروا هذه الأحاديث وحملوا معناها على مذاهب الصحابة ولغة العرب ، فقالوا ما تقدم في ذكر اليدين ، وفي ذكر اليمين . وقال المهدوي رضي اللّه عنه في الوجه : الوجه ينصرف على وجوه منها : الوجه الذي هو الجارحة . ومنها : أول الشيء وصدره ، نحو قوله تعالى : وَجْهَ النَّهارِ [ آل عمران : 72 ] . ومنها : القصد والفعل ، نحو قوله : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ الأنعام : 79 ] . ومنها : الحيلة ، نحو قولك : ما الوجه في كذا . ومنها : المذهب والجهة والمنزلة والقدر ، نحو : لفلان وجه عند الناس . والوجه : الرئيس ، ووجه الشيء : نفسه وذاته . وقال في قوله تعالى : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [ البقرة : 112 ] أي : أخلص عمله ، وخصّ الوجه لأنه أشرف ما في الإنسان ، والعرب تخبر بالوجه عن ذات الشيء . وقال في قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ، قال الثوري : إلا ما أريد به وجهه . وقال أبو عبيدة : الإجاهة ، أي : إلا الوجه الذي يطلب به الوجه عند اللّه والجاه عنده ، وقيل : إلا وجهه ، إلا إياه . كقولك : أكرم اللّه وجهك ، أي : أكرمك اللّه . انتهى كلامه . قلت : وهذه الوجوه كلها في الوجه فانظر أولاها وأليقها بصفة القديم تعالى فاجعلها له وانف عنه ما لا يليق بجلاله ، وليس فيها عندي أولى من قوله : الوجه كناية عن الذات ، وكذا فسر قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] أي : إلا هو . وكذلك قالوا في قوله تعالى : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا [ القمر : 14 ] أي : حفظنا